عود على بدء الأشكال الأساسية لما بعد الحداثة - ميشيل مافيزولي
وضدا على كل هذه النزوعات الامتثالية المحيطة بنا من كل جانب، فإننا لن نتعب من التذكير بأن المستجد النوعي اليوم هو ما بعد الحداثة. ما بعد الحداثة بصفتها تحيينا مستمرا واستثمارا موصولا للخصائص الأساسية لِما قبلها. ولعل أهمها، بل وفي القلب منها، النزوع البشري المتأصل إلى الترحل، والتماهي مع الأواصر القَبَلية، والإقبال العارم على المتع. وما عاد سرا أن هذه الخصائص نفسها هي التي تنبعث من جديد، بنسب متفاوتة من العنفوان، في الحياة المعاصرة. وبما أن الأنتلجنسيا تتهيب من مواجهة هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، فإنها تعبر عنها، مضطرة، بأساليب ملتوية ومداورة، من خلال حديثها المتواتر عن حداثة مفرطة أو حداثة مهتاجة أو فائضة، وغيرها من التوريات التي تتوهم بأنها قادرة على تمديد/تمطيط العمر الافتراضي لعالم بات مهجورا ومحتضرا للحيلولة دون سقوطه، أو على الأقل إرجاء هذا السقوط المحتوم !
فاللاشعور الجمعي ما عاد يتعرف على نفسه في مرآة القيم المركزية التي تشكل منها العالم الحديث، كما أن دورة تاريخية انطلقت في القرن التاسع عشر، اكتملت وانتهت. هذا في الوقت الذي لا زال فيه الكثيرون من المحسوبين على الفكر والثقافة يتلمسون الطريق السالكة نحو الاعتراف بذلك والإقرار به !